ثانيأ :الحقوق السياسية
الفصل الأول
شيوعى 00إخوانجى00إرهابى00عميل أمريكانى
من أعجب ما عاصرته فى حياتى هو ذلك التطور فى الإتهامات التى يوجهها الناس لبعضهم أو توجهها لهم السلطات فى العقود الخمسة الإخيرة فى المجتمع المصرى وكل تهمة منها كانت كفيلة بإدخال المتهم إلى غياهب السجون ليلتقى بفطاحل التعذيب حتى يعترف بكنههه ويوقع على ذلك مرغماًوإلا فسوف يشرف فى المعتقل إلى الأبد0
فى الخمسينات والستينات كانت هناك تهمتان بشعتان توجهان إلى اى إنسان يريدون التخلص منه لأى سبب من الأسباب وهما (( شيوعى)) و(( إخوانجى )) والأولى معناها الإنتماء للفكر اليسارى فى روسيا القديمة إقتصادياً والثانية معناها أنه يعتنق فكر الإخوان المسلمين وهما وقتها كانتا جريمتين تتسببان فى تدمير أصحابهما بل وأسرته وجيرانه تدميراً أبدياً لا رجعة فيه إذ كان هناك متخصصون وحاصلون على شهادات شيطانية فى تعذيب الإنسان حتى لو كانت الحكاية ملفقة له تماماً كما صورها فيلم إحنا بتوع الأوتوبيس حيث توقف الأوتوبيس بسبب مظاهرة فى الشارع ونزل الركاب للوقوف على حقيقة الأمر فتم القبض عليهم ضمن المتظاهرين وأخذوا إلى ناكر ونكير حيث أجريت لهم عمليات تعذيب يشعة تقام يومياً بصورة طبيعية ثم ينتهى الفيلم باعتذار سخيف للمعذبين0
ألعجيب أن العلاقات السياسية بين مصر وروسيا كانت على أعلى درجاتها فى ذلك الوقت فلماذا يتهم الناس بالإنتماء للفكر الشيوعى الروسى ؟؟ بل إن روسيا هىالتى خططت ونفذت مشروع السد العالى بكل حسناته وفائده العظيمة التى جناها ويجنيها المصريون من محافظة على مخزون هائل من مياه النيل إلى توليد للطاقة الكهربائية إلى ثروة سمكية هاثلة فى بحيرة ناصر 00إلخ00 ولقد ازدحمت المعتقلات والسجون المصرية فى تلك الحقبة الزمنية المنصرمة بهذين النوعين من المتهمين وكم ضاعت مستقبلات بشر وكم تشرد أبرياء وكم هرب مضطهدون إلى الخارج بأساليب خفية ومنهم من ظل بالخارج حتى الآن ومنهم من قتل تعذيباً فى المعتقل ومن لم يمت وخرج حياً خرج شبحاً يتخبط لا يدرى أين يذهب أو ماذا يفعل ؟
ألمذهل أكثر من هذا وذاك هو مشاركة الكثير من قطاعات الشعب للحكومة فى توجيه تلك التهم لأصحابها فتسمع الناس فى كل مكان يقولون عن فلان أنه شيوعى أو إخوانجى ويصبح ذلك عاراً فى جبينه وجبين اسرته ‘لى الأبد ولست أدرى لماذا تشترك بعض قطاعات شعبية فى ترديد نفس التهم الموجهة لبعض الناس ؟ هل هو الخوف من سلطة أصحاب السلطان فيفعلون ذلك إتقاءاً لشرهم وإخفاءً لما فى نفوسهم ؟ ولم أسمع مرة مواطناً يتجرأ ليقول وما هى المشكلة عندما يكون فلاناً شبوعياً أو إخوانجياً أليس من حق الإنسان ان يعتنق ما يشاء من فكر أو دين أو عقيدة ؟؟
وتطور هذا الإتهام فى عقدى السبعينات والثمانينات إلى (( تكفير وهجرة )) خصوصاً بعد عمليات محاولة إغتيال السادات قى بداية السبعينات ثم إغتيال الشيخ الذهبى أصبح كل من يطلق لحيته أو يلبس جلباباً أبيض أو يستعمل مسواكاً او يصلى بانتظام وهى كلها حريات شخصية أصبح متهماً بأنه تكفير وهجرة وتعمقت التسمية أكثر بعد إغتيال السادات سنة1981 فأصبح كارت إرهاب لدى رجال الأمن بل وبعض الناس من عامة الشعب إذا كره شخصاً أطلق عليه لقب (( تكفير وهجرة )) تماماً مثل الماضى فكان يقال سيبك منه ده إخوانجى أو ده شيوعى وما العيب فى كونه شيوعياً أو إخوانجياً إن العيب من وجهة نظرى يكون فقط فى الإعتداء على الآخرين وسحق أمنهم وتدمير حياتهم ظلماً تحت أى مسمى وأى بند إفعل ما تشاء إعتقد ما تريد فكر تدبر إقرأ تلذذ بالحباة ولكن من أنت حتى تعتدى على غيرك أو تهاجمه أو تحقر من شأنه 00 لك حق النقد بلا تجريح أو إهانة أو تعرض للعرض والدين والكرامة لا تفرض نفسك لا تقحم أفكارك فى كل مكان ومحفل سوف تصبح مملاً ومرفوضاً كن سلعة غالية يبحث عنها الراغبون فيها فى كل الأعماق ولا تكن سلعة رخيصة تلقى بظلالها الثقيلة فى أى مكان وبلا حياء أو إستئذان0
ولقد بدأ العمل بقانون الطوارىء منذ عام 1981 حتى اليوم و كأن قانون الطوارىء لم يكن مطبقاً قبل ذلك وكأن الإعتقالات البشعة فى عهدى عبد الناصر والسادات والتعذيب لم يكن طوارىء وإنما كان فى ظل الحرية والعدالة والديموقراطية أليس ذلك مذهلاً . إن ما هو ابشع من قانون الطوارىء كان موجوداً وشبه قانونى فى المجتمع المصرى بدليل مرور 28 سنة فى حكم عبد الناصر والسادات دون أن ينبس واحد بحرف ودون تدخل من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان لإنقاذ المعذبين فى المعتقلات الهمجية فى أماكن سرية ومخفية0
فى عقدى التسعينات وبداية الألفية الثالثة إختلفت التهم والمسميات وأصبحت كالتالى
1-الإنسان المسلم المتذمت لأفكاره يتهم من لا يوافقه عليها بالكفر والزندقة فهو يرى أن الفورمة الطبيعية لملابس المسلم وهيئته هى الجلباب واللحية والمسواك والنقاب للمرأة ومن لا يفعل ذلك بدقة فهو منحرف عن السنة فى رأيه بل وخارج على الجماعة وهذه هى التهمة الأولى (( كافر))
2- التهمة الثانية هى(( إرهابى )) وما أسهل ان تطلق فى أى مكان ويرمى بها الأبرياء للتخلص منهم ولقد ثبت حالياً عدم وجود اى علاقة تذكر بين اللحية والجلباب والنقاب وبين ما يحدث من عمليات تفجيرية فى كل أنحاء العالم والحقيقة الواجبة هو عدم الخلط بين الحريات الشخصية فى الملبس والمظهر وبين العمليات الإرهابية فالأولى تصرف شخصى وحرية شخصية لا يجب مقاومتها أما الإرهاب فهو عمليات بشعة مخططة بأساليب متطورة وليس أدل على ذلك مما حدث فى مركزى التجارة بنيويورك وقطار أسبانيا 0
حتى الآن لم يتم وضع تعريف حقيقى لكلمة إرهابى وهؤلاء الذين لصقوا الإرهاب بدين الله الحنيف ألإسلام قد ارتكبوا ا جريمة شنيعة لا تقل جرماً عن جرائم الإرهابيين لأنها فى حد ذاتها إرهاباً إذ كيف نتهم ديناً عظيماً من عند الله تعالى فيه من المبادىء والقيم والمثل العليا ما يرتفع بقيمة الإنسان لدرجة الملائكية وهذا ما يحب أن يكون فى كل مسلم , لا يجب أن تحسب التصرفات الغبية والعمليات الإرهابية على الإسلام وإنما تحسب على مرتكبيها ا لأنهم مجرمون خالفوا ا دين الله بل وكل الشرائع السماوية والدساتير الإنسانية0
3- ألتهمة الثالثة العجيبة هى تهمة (( العمالة الأمريكية)) بالرغم من قوة العلاقات السياسية بين مصر وأمريكا والعلاقات الإقتصادية إلا أن هذه التهمة موجودة وهى العمالة لأمريكا فكل من ساقر إلى أمريكا للإقامة أو العمل أو العلم وتطورت أفكاره بسبب ما يعاصره من حضارة هناك تلحقه لعنة العمالة الأمريكية ومبلغ علمى هو قوة العلاقات بيننا وبين أمريكا وهو أمر نحرص عليه وعلى بقائه ونحرص على ألا تقل المعونة الأمريكية لنا عن مستواها المعتاد أو تزيد فلماذا إذاً يتهم من يحب أمريكا بالعمالة ؟؟ هل الصح أن نأخذ منها المعونة والحضارة والسلاح والتكنولوجيا ثم نكرهها ونلعنها ؟؟ أهذه هى أخلاقنا ؟؟
ولماذا يتهمون د/ سعد الدين إبراهيم بالعمالة ومبلغ علمى أنه مفكر وعالم فى الإجتماع لماذا تلصق به كل هذه الإتهامات لأنه حصل على أعلى الشهادات من أمريكا وأنشأ مركزاً فى مصر للدفاع عن حقوق الإنسان فى المعتقدات والأفكار والإتجاهات دون قهر أو إرغام من أحد ولقد برأت ساحته المحكمة الدستورية العليا بعد سجنه ثلاث سنوات واعادت إليه كرامته المسلوبة
وهذا د/ أيمن نور 000 رغم أننى لا اعرفه عن قرب إلا إننى أعرف أنه مصرى تربى على ترابها وشرب من نيلها وتعلم فى مدارسها وجامعاتها فلماذا يحرم من المشاركة السياسية ومن ذا الذى يحرمه وبأى حق يجب ان تتاح له الفرصة ليشرح برنامجه الإنتخابى هو وغيره ممن يريدون التقدم لإنتخابات الرئاسة ويجب أن تفتح لهم أبواب القنوات التلفزيزنية للتعبير عن أنفسهم وإلا فما قيمة تعديل المادة 76 فى قانون إنتخاب الرئيس إذا حرم باقى المرشحون من شرح برامجهم لقد أصبح أيمن نور عميلاً امريكياً لأن بعض المدافعين عن حقوق الإنسان هناك طالبوا بخروجه من السجن ليمارس حياته الديموقراطية بدون قهر أو إذلال ومنذ تلك اللحظة صار عميلاً أمريكياً وطبعاً لن ينجح فى أى طريق يمشيه حتى لو رأى قفاه بعينيه بدون إستعمال مرآة فلقد سبقته تهمة العمالة الأمريكية فى أى مكان يحاول فيه شرح برنامجه الإنتخابى 0
والسؤال المهم ياترى ما هى الإتهامات التى سيرمى بها الناس خصوصاً المفكرين والمجتهدين منهم فى العقود القادمة ؟؟
الفصل الثانى
:من الذى جعل ضابط الشرطة إلهأ ؟؟!!!!
الخوف من الحاكم ورجاله وحاشيته ونظامه يكاد يمثل صفة عامة فى الغالبية العظمى من شعوب الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب شرق آسيا عامة والشعوب العربية خاصة فلا يمكن أن تجد مواطنأ يتعامل بهذا الكم الهائل من الخوف والرعب مع ضابط الشرطة فلقد تعود المواطن العربى على تأليه ضابط الشرطة بسبب ما يلاقيه من أبشع ألوان العذاب والتنكيل على يد هذا الضابط وعساكره المحترفين فى الإيلام والتعذيب وبدلأ من تطبيق شعار الشرطة فى خدمة الشعب تجد العكس تمامأ فالمواطن إذا حكم عليه حظه الاسود ودخل أحد أقسام الشرطة فى تهمة لم تثبت بعد عليه أجارك الله مما سيلاقيه هذا الشقى الذليل على أياديهم من ضرب بأنواعه المختلفة إلى سباب بأقذع الألفاظ التى تتناول دائمأ الآباء والأمهات بل والدين وأحيانأ الخالق سبحانه 00إنتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وإهانات متتالية لكرامته وإمتهان لأنسانيته وإحتقار لشخصيته وتدمير لكنهه البشرى وجعله أقل شأنأ من أدنى أنواع الحيوانات وكل هذا لكى يعترف بتهمة أو جريمة معينة بسرعة تحت نير القهر وعصاته التى لا ترحم صغيرأ ولا توقر كبيرأ ولا ترحم آدمية الإنسان 0
لا بد من تفسير لهذا المنطق المذل وهذه النظرة القاهرة للمواطن ولماذا يعامل بهذا الأسلوب وما سر تلك الفوقية والعلوية التى يعيش بها وعليها ضابط الشرطة فى البلاد العربية وما هذا الإستقواء ومن أين اكتسبه ؟؟ ومن الذى سمح له به ؟؟ وكيف بات الضرب فى أقسام الشرطة عملأ شرعيأ ؟ ومتى صارت إهانة الإنسان بطولة يقلد بسببها النياشين ويحصل على العلاوات والترقيات ؟ 0
أين ذلك القانون المزعوم الذى يحمى الحريات بشتى انواعها وأشكالها وهى كما نحفظ جميعا حرية الدين والعقيدة وحرية التفكير والتعبير وحرية الرأى وهو ما يعبر عنه بحرية الصحافة والكتابة الشريفة التى لا تمس الآخرين بسوء 00إن القانون فى ظنى قد خلق ووجد لكى يدافع عن هذه الحريات ويحميها وينظم العلاقات بين الناس فينتصر للمظلوم من الظالم ويعاقب الظالم على ظلمه عقابأ لا يتخطى الحدود الأخلاقية ولا يهدر كرامة الإنسان فأين ذلك مما نراه أو نسمع عنه من تعذيب يتعرض له كل متهم بقضية من أجل شىء واحد فقط هو الإدلاء بالإعتراف الذى يطمح نحوه السيد ضابط الشرطة حتى لو اضطره الأمر إلى إذاقة صاحب القضية شتى ألوان العذاب غير عابىء بآدميته ولا مهتم إلا بما يريد من إعتراف حتى يصير –فى رأى رؤسائه ضابطأ كفأ 0
إن الشعوب التى تضرب بالسوط والعصا وتكهرب أجسامها وتلقى فى زنازين قذرة قبيحة ضيقة مهينة ليس بها دورة مياه آدمية ولا مكان للنوم ولا غطاء ولا طعام يليق إلا بالكلاب ولا معاملة يرضاها كلب لنفسه 00هذه الشعوب يزرع فى قلوبها وقلوب أبنائها غلأ وحقدأ يوشك أن ينفجر ليحرق العالم بأسره , هذه الشعوب لن تسكت إلى الأبد على الكبت والقهر والذل والفقر والحرمان والإهانات المتكررة فى الليل قبل النهار 0
إن الشعوب التى قتل منها الملايين فى السجون والمقابر الجماعية قد استيقظت من سباتها العميق ولن ترضى لحاكم أى حاكم إلا أن يكون خادمأ لها لا إلهأ معبودأ , لقد انتهى عهد تأليه الحكام بلا رجعة ولن يعود الناس للوراء حتى لو فقدوا فى سبيل ذلك المال والولد والجاه , لقد تنفسوا عبير الحرية وعطر الديموقراطية الذى يفوح حولهم فى كل أرجاء الكرة الأرضية , وداعأ لعصر عبادة الحاكم ووداعأ لعصور الخوف من ضابط الشرطة المجرم ليحل محله ضابط الشرطة الصالح التقى المحترم الذى يهب نفسه وعمره فى حب وطنه ومن أجل رفعته 0
وداعأ للحكام المتألهين الذين جثموا على صدور شعوبهم عشرات السنين ضاربين بالشعوب وأحلامها وآمالها عرض الحائط غير عابئين إلا بأطماعهم البشعة وأحلامهم الممقوتة , ومرحبأ برجال يجلسون على عرش الحكم ولكن تحت أقدام الشعوب ينفذون القانون الذى يرفع من شأن الوطن بين الأمم ويعلو به ليصبح فى مصاف العالم الأول كفانأ ذلأ وإحباطأ بشعورنا أننا دول العالم الثالث كفى تحقيقأ للأطماع الشخصية وتحقيرأ للآمال الوطنية كفى كبتأ للآراء وقتلأ للأحلام وحرقأ للأفكار ومصادرة للفكر الحر والإبداع0
لقد آن الأوان للشعوب المقهورة عبر آلاف السنين أن تتحرر وتشم نسيم الحرية وعبق الديموقراطية والعدالة الإجتماعية , آن لهذه الشعوب التى صبرت على الإستبداد ألوف السنين أن تنهض من غفلتها وتستيقظ من غفوتها بعد أن عافها الزمان وصارت مسخة بين الشعوب التى تلذذت بالحرية والكرامة والسعادة وذاقت طعم الكلمة والرأى والإتجاه منذ قرون 0
سوف أستيقظ يومأ فأمر على ضابط الشرطة فى الشارع دون رعب أو خوف , نعم سوف تؤكد الأيام له ولنا أنه إنسان مثلنا تمامأ يأكل ويشرب وينام ويضحك ويبكى سوف تؤكد له الأيام أن جنون العظمة الذى سيطر عليه مئات السنين كان وحيأ شيطانيا قبيحأ وقد انفضح أمر هذا الوحى الشيطانى وسقطت الأقنعة لتكشف لضابط الشرطة الذى عذب أخاه الإنسان أنه كان أحمقا مجرمأ مستبدأ وأنه يستحق قطع يده التى عذب بها الأبرياء والمضطهدين فى كل مكان وزمان 0
أيها الآكلون حقوق الناس فى الحرية والعدالة والكرامة أفيقوا قبل فوات الأوان وقبل الزلزال الذى لن يبقى ولن يذر أعيدوا الحقوق المسلوبة لأهلها إفتحوا أبواب الحريات على مصراعيها فالحريات منحة الله للناس وليست منحتكم وهديته لنا وليست هديتكم إن الله لو جعل الأمر لكم لأكلتم لحومنا وعظامنا غير عابئين ولكن الأمر كله لله تعالى يصرفه كيفما يشاء 0
إنصرفوا من فوق صدورنا فقد ضجرنا وملأنا النكد والملل ولم نعد نطيق , صدورنا تحملت الكثير فارحمونا واتركونا نعيش يا من فرضتم أنفسكم علينا كفاكم فالحياة قصيرة وقد ضاع معظمها هباءأ وهراءأ , لقد تدخلتم فى طعامنا وشرابنا وملبسنا ومنامنا وحسبتم خطواتنا ورسمتم الخرائط لحركاتنا فلم نعد نطيق , اللهم ارحمنا وسخر لنا من عبادك من يخشاك ولا يذلنا واقهر أعداءنا ---أعداء البشرية جميعا على إختلاف الأديان والألوان والأعرق ----
الفصل الثالث
الشعب الطيب المسالم فى مصر يصنع الديكتاتور
لو تأملنا فى تاريخ مصر السياسى والدينى سنكتشف أن الشعب المصرى الطيب المسالم الذى يعشق حياة الحب والسلام هو الذى صنع بهذه الطيبة وتلك المسكنة والغلبنة اعتى عتاة الديكتاتورية على مر التاريخ ولنا ان نتذكر ونتدبر حكاية ذلك الفرعون الذى عاصر النبيين موسى وأخاه هارون وفى قصته عبرة لمن يريد ان يعتبر أو يتذكر أو يتعظ , فلقد وصل بهذا الرجل وحاشيته أنهم قد استعبدوا الناس فى مصر وتملكوا الإنسان والأرض والعرض وجعلوا من هذا الفرعون إلهأ معبودأ بل لقد كانت سنة متبعة أن يقوم كهنة المعبد بتنصيب أى فرعون إلهأ للبلاد والعباد ومن يرفض الإنصياع أو يتأخر عن القيام بطقوس العبادة يلقى حتفه حرقا بالنار أو صلبأ على جذوع الأشجار أو تعذيبأ فى سجون بشعة ليس لها قرار أو تقطع أيديهم وارجلهم من خلاف بل ويتم تقتيل أبنائهم والإعتداء الجنسى على نسائهم ولا يسمحون لهم حتى بالهروب بجلدهم من البلاد تاركين أملاكهم وبيوتهم ولكنهم لا بد وحتما أن يواجهوا المصير الرهيب الذى يرتضيه الفرعون الفاجر وكهنته المجرمون القتلة السفاحون0
كان المصريون لا يختارون الملك الذى سيحكمهم وسيفرض عليهم بل كانوا يفا جؤن به سلطانأ عليهم وبعد أيام قليلة يفرض سطوته وسيطرته ثم يعلن عن برنامجه الإلهى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن هذا الذى يحب العذاب والموت حتى يتجرأ وينبس بحرف أو حركة أو إيماءة توحى برفضه لشىء معين فيا ويله مما سيلاقيه على أيادى زبانية الفرعون اللعين من عذابات تشيب من هولها الولدان0
كل الغزاة والطغاة حكموا مصر وشعبها بالحديد والنار من هكسوس إلى إغريق إلى رومان حتى الأتراك العثمانيون حكموها بالحديد والنار لمئات السنين حتى العبيد الذين تم شراؤهم للخدمة فى مصر وهم المماليك حكموا مصر وأذلوا شعبها ودمروه ونشروا الفساد فى طول البلاد وعرضها ضاربين عرض الحائط بجميع القيم والمبادىء الإنسانية والمثل العليا التى يتحلى بها هذا الشعب المسكين المعطاء النائم فى العسل نومأ عميقأ مسلمأ أمره للحالكم أى حاكم وللوالى أى والى يلطش فيهم كيفما شاء وحيثما أراد حتى يرسل الله رجلأ شهمأ شجاعأ مصريأ أصيلأ يجمع الناس حوله ويهب فى وجه الطغيان لتحيا مصر ويحيا المصريون من جديد بعد طول العذاب المر الذى قد يصل إلى قرون أو أقل او أكثر ولكن هذا المصرى الحر يأتى فى كل عصر ويزيح الغمة وينصر الأمة بشجاعته وإيمانه بالله تعالى وحرية الوطن العظيم
على مر التاريخ يرضخ المصريون ويرضون ويسكتون فيتفرعن الفرعون ويركب الكرسى ويمسك بزمام كل شىء فى يديه فيسن القوانين ويخترع الدساتير واللوائح التى تحرص فقط على المحافظة على مصالح الحاكم وحاشيته وزبانيته الذين ينهبون فى خيرات البلاد والعباد نهبأ لا يعلم مداه غير الله وحده 0
فى عصورنا الحديثة إعتاد أى حاكم مصرى وهو بالطبع ديكتاتور بلا منازع إعتاد أن يوظف كل شىء فى الدولة ليصبح ممثلأ عن جزء معين من جسم الحاكم فالإعلام مثلأ هو لسانه الناطق المعبر عن رأيه وإرادته وأهوائه التى لا تلبث أن تتحول إلى عقيدة ودين عن طريق رجال للدين يحسنون القيام بهذا الدور وهو دور تحويل افكار وأحلام الحاكم إلى عقائد وشرائع يجب أن يعتنقها الشعب ويرضخ لها مهما كانت ضد مصالحه وهو نفس دور كهنة المعابد فى عصور الفراعنة القدامى0
أما أذن الحاكم الصاغية لكل حركة وكل همسة وكل كلمة ينطق بها المواطن المصرى فتقوم بها مباحث أمن الدولة ولا تقصر ابدا فى إستدعاء المتاعيس الذين حكم عليهم حظهم الأسود ان يتكلموا كلمة واحدة فى حق الحاكم والحكومة أما الجزء الأكبر من الداخلية فهو يقوم بدور القميص الواقى الذى يقى الحاكم ويحميه من أى غدر أو حقد او بطش قد يقوم به مجنون أو مظلوم او مقهور0
أما الوزراء فهم من صناعة الحاكم حيث يختارهم على الفرازة لكى يكونوا مخلصين له وليس للشعب وتابعين له ضد كل مصالح الناس ويصبح كل وزير بمثابة لعبة مرتعشة يحركها الحاكم حيثما وكيفما شاء لأنها صنعته ولا يجرؤ وزير ان ياتى بقرار لم يسمعه من الحاكم أو أن يخرج بقانون ضد رغبة أو إرادة الحاكم فالطرد فى الشارع هو المصير الطبيعى المحتوم لذلك الوزير , وهكذا تصبح أى وزارة فى مصر بمثابة الذراع الشمال لأى حاكم أما الذراع اليمين الاهم فهو مجلس الشعب الذى تصنعه الحكومات إياها التى ذكرت صفاتها آنفا وتحت حماية ضباط الداخلية ورعايتهم وبسيطرة الحكومة المذكورة على الموقف يتم تحديد اسماء الأعضاء الذين سينجحون فى الإنتخابات ويتم طبخ مجلس للشعب يعبر دائمأ عن إرادة الحاكم ولا يعبر عن إرادة الشعب وإذا حدثت غلطة وجاء عضو طيب نشيط حريص على مصلحة الناس ضد الحاكم والحكومة كان مصيره الطرد من المجلس بألف حجة والف سبب قانونى وإذا لم يكن قانونيأ يخترعون له قانونأ ليصبح قانونيأ 0
ثم يأتى دور تسييس القضاء وترويضه حتى ينفذ القوانين والدساتير الجديدة ويصبح لقمة سهلة فى يد الحاكم الهمام وحكومته التمام فلا يجرؤ مخلوق ان يتكلم ضدهم او أن يتظاهر سلميا أو ان يوجه نقدا لأخطاء الحاكم المؤله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه والذى يريد من الرعية الذليلة المحرومة من حرية الراى وحرية التعبير ومحرومة من الوظيفة المحترمة التى تعطى فقط لأبناء الأكابر ومحرومة من شربة ماء نظيفة او لقمة عيش سائغة000يريد من هذه الرعية أن تسبح بحمده ليل نهار وتشكره وتذكر إنجازاته قبل طلوع الشمس وقبل غروبها 0
هل سأعيش وارى بعينى الإنسان المصرى حرأ كريما يقول ما يشاء لمن يشاء فى أى وقت يشاء ؟
هل سأعيش حتى ارى الإنسان المصرى الذى يعشق الحرية والكرامة والمحبة والسلام هل سأراه حاصلأ على حقوقه الدستورية والسياسية والإجتماعية ؟
هل سأرى الكفاءات المصرية محترمة داخل مصر وتجد من يقدرها ويعطيها حقها ولا يقهرها ويطردها بحقده القاتل وضغينته الشيطانية؟
هل سأعيش حتى ارى المصرى بختار رئيسأ لمصر بكل حرية دون خوف أو قهر أو إرهاب من ذوى السلطة وأهل الثروة والمناصب؟
هل سأعيش حتى أرى المصرى يتعلم تعليمأ نظيفأ من الإرهاب وهدفه الرقى والتقدم وإحترام الآخر وتكريس التجارب العلمية لخدمة الوطن والمواطنين؟
هل سأعيش حتى أرى المصرى يعالج فى نفس المستشفيات الفخمة التى يعالج فيها المسيطرون على الثروة والسلطة؟
هل سأعيش حتى ارى كل كاتب ومفكر يكتب ما يشاء دون تهديد أو قهر أو إرهاب من الحكومة أو الجماعات الإرهابية ؟
هل ستنتعش الثقافة والحوار الحر المتمدن الهادف لصناعة القيم والمثل العليا ونشرها بين أبناء المجنمع ؟
هل سأعيش حتى أرى المصرى محترمأ فى مراكز البوليس ولا يضرب ولا يعذب ولا يشتم ولا يعامل بحقارة وإشمئزازمن قبل اهل السلطان المسيطرون على القرار والزنازين القبيحة التى لا تليق بكلب؟
هل سأ عيش حتى أرى المصرى يتمتع بحريته االكاملة فى الكلام والنقد الحر البناء القائم على الحقائق دون تجريح أو إهانات لأى مخلوق؟
هل سأعيش حتى ارى المسلم والمسيحى يربطهما الحب والسلام والمودة والصداقة كما ربطتهما على مر التاريخ؟
هل سأعيش حتى ارى الإنسان المصرى يحاسب نفسه على أخطائها ويصحح مساره قبل أن يحاول إصلاح الآخرين ؟
هل سأعيش حتى أحضر إنتخابات حرة لمجلس شعب وطنى حقيقى يمثل الناس ويعبر عن أحلامهم ويحقق أمانيهم ؟
الفصل الرابع
جحيم الديكتاتورية ونعيم الديموقراطية
الحاكم المستبد إنسان محدود التفكير لأنه يكسب القليل الفانى ويخسر الكثير الخالد لأنه بإستبداده يتحمل كل الذنوب والآثام والجرائم التى يرتكبها نظامه الفاسد حتى ولو كان بغير علمه لأنه أعطى الموافقة المسبقة لجميع أذناب حكمه أن يفعلوا ما يشاءون فى الشعب المقهور دون الرجوع إليه ضمانأ لإحتفاظه بالحكم والكرسى والعرش والأمر والنهى ولكن العكس تمامأ هو الذى يحدث لانه يتحول إلى دمية تافهة تتمسك بالكرسى والحكم والملك دون أن تهتم بالتفاصيل التى على أساسها يبنى الملك وتقام الدول وتستقر الحياة وهذه التفاصيل تقوم على العدل والمساواة بين فئات الشعب المختلفة أمام دستور طاهر متطور يكفل كرامة النفس البشرية وحقوقها وسلامتها وحق كل إنسان فى الحياة والحرية والعزة والكرامة والمشاركة بكافة أنواعها من إجتماعية إلى سياسية إلى دينية إلى فكرية إلى علمية وغيرها0
غباء الحاكم المستبد يجعله فى مواجهة دائمة مع شعبه ومع المجتمع الدولى لأن كل جريمة وكل مصيبة تنتج عن نظامه لابد أن يكون هو المسئول عنها أمام شعبه وأمام المجتمع الدولى والأعظم من ذلك كله أمام الله سبحانه فى يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه ولا سلطان ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم , فإذا قدر الله وسقط النظام الفاسد على أى شكل من أشكال السقوط كان الحاكم الطاغى وأذنابه المجرمون هم أول من يطالب الشعب بقطع رؤسهم وتعليقها على مداخل المدن حتى يكونوا عبرة لأى حاكم تالى 0
لو كان هذا الحاكم المستبد ذكيأ لكسب كل شىء لو كان ذكيأ لآمن بالشعب الذى يحكمه وبحقوقه الكاملة ولأرسى قواعد العدل والمساواة والديموقراطية فى بلده فمثلا يدعو الشعب لإنتخاب ممثلين عنه فى كل شبر من الوطن بطريقة قانونية سليمة خالية من الغش والفساد والتزوير وفى هذه الحالة سيتكون مجلس ممثل للأمة بطريقة شرعية يكون همه الأول هو خدمة الوطن والمواطن وليس التقرب والتزلق للحاكم وأعوانه حتى يفوزوا بالإستمرار فى المجلس بل يتعين على المجلس الشرعى المنتخب من قوى الشعب المختلفة أن يتفانى من أجل رفعة الوطن والمواطن ناسيأ مصالحه الخاصة ومكاسبه الشخصية 0
كما أن هذا الحاكم المستبد لو كان ذكيأ لأنشأ قضاءأ مستقلأ لا يتبعه ولا يتبع وزارة بعينها ويسميه مثلأ المجلس الأعلى للقضاء يترأسه أحد القضاة بالإنتخاب القانونى الشرعى دون تدخل من الحاكم أو الحكومة أو أى جهة أخرى وعندئذ سيضمن الحاكم إرساء قواعد العدل وسيادة القانون ولن يتهمه أحد بتسييس القضاء أو التلاعب به من أجل توطيد حكمه وتدعيم مراكز أذنابه ولكن ترك القضاء حرأ طليقأ يؤكد على المساواة والعدالة وحقوق الإنسان فلا ترفع القضايا بالآلاف ضد الحاكم على تستره على قضايا التعذيب فى السجون والمعتقلات وأمن الدولة ومراكز الشرطة التى قد تصل من شدة العذاب الواقع بالضحية لدرجة الموت مما يخزن أحقادأ وضغائن فى النفوس ضد الحاكم المستبد وأعوانه لا يمحوها الزمان ولا تؤثر عليها السنون0
الحاكم المستبد لو كان ذكيأ كان سيحكم شعبه بكرامة ويكسب حبه وصداقته بشهامة ويترك الحكم لغيره بشرف وسلامة ولكن الحاكم المستبد يحكم شعبه بالجبروت والسجون والحديد والنار وأمن الدولة والتعذيب وسيادة الحاكم وأعوانه وليس سيادة القانون والعدالة كما أنه يكسب عن جدارة حقد شعبه وكراهيته ولعناته التى قد تظهر من شدة الخوف والقهر على شكل هتافات بحياته وهى فى حقيقتعا لعنات يقلبها الخوف والرعب والقهر من العذاب إلى هتافات تقنع المستبد أنه الحاكم الأوحد والملك الفرد وكل ما عداه عبد , ولذلك فإنه لا يترك الحكم فى سلامة ولنا فى هتلر وموسولينى وعيدى أمين وصدام حسين أروع أمثلة على نهاية الطغاة وكيف أنتهوا وكيف لعنتهم شعوبهم ولعنهم العالم اجمع وفوق كل ذلك لعنهم الله العظيم على جرائمهم ومظالمهم التى ملؤوا بها الأرض فسادا وجورا ودماءأ بريئة ذكية0
الحاكم المستبد لو كان ذكيأ لجعل المساواة فى الحقوق تقوم على أساس المواطنة وليس على أى أساس آخر مثل الدين أو العرق أو اللون أو الجنس وترتفع قيمة الفرد بقدر ما يقدمه للوطن من عمل صالح مخلص وتقدم علمى وبحوث ومشاريع ترفع من قيمة الوطن بين الأمم وتعلى قيمة الإنسان وعلى هذا الأساس فقط يجب تكريم الإنسان , ولكن فى دولة الإستبداد يتم تكريم الخاملين والفاشلين والتافهين لأن لهم اقارب يمسكون بذمام قطعة من الحكم ولأن لهم سندا وظهرأ يرفعهم وهم نائمون ويكرمهم وهم غافلون ويعطيهم الهدايا والمنح والمناصب وهم فاشلون فى ذات الوقت الذى تحرم فيه الكفاءات ويطرد المكافحون ويضطهد المفكرون ويحارب العلماء الأصليون وترمى أبحاثهم فى الأدراح تحبس فيها إلى يوم يبعثون فتضيع الحقوق وتتأخر الأمة ويقف فوق رأسها هؤلاء الفاشلون يمثلونها فى كل مكان وهم عاجزون عن شرف تمثيل الأمة العريقة والشعب الصابر العظيم
فلو كان الحاكم المستبد ذكيأ لأعطى كل ذى حق حقه وأعلى شأن العلماء الحقيقيين وليس المزيفين ولأنشأ مجلسأ من حكماء الأمة من كافة طوائف العلم والمعرفة يكون شغله الشاغل هو إكتشاف العلماء والمفكرين والفلاسفة و الموهوبين والفنانين والشعراء والكتاب والمؤلفين والباحثين وتقديمهم للمجتمع و توفير الدعم المادى والعلمى والنفسى لهم حتى تكثر إبداعاتهم ويتضاعف نشاطهم وتزداد بحوثهم وإكتشافاتهم وتتحسن معاملهم وترتقى أفكارهم فى مؤسسات خاصة بهم ويتم نشر كل أعمالهم كنوع من التكريم لهم وكحافز لغيرهم لكى يسير فى طريقهم ويلحق بركبهم فيكثر العلماء ويتطور الطب ببحوث الأطباء ويرتقى الفكر وتعلو الثقافة وتثرى الحوارات البناءة بجهود المفكرين والكتاب والشعراء والفنانين والمبدعين فى مختلف المجالات فيعظم شأن الوطن ويلحق بركب التطور وسباق العلم والثقافة والمعرقة التى تأخر كثيرا عنها بسبب ما حدث من سيطرة المستبدين على كل منابع التطور والرقى دون أى وجه حق فتسببوا للأمة فى الـتأخر ولمعظم الناس فى الجهل والتخلف والمرض حتى صار المجتمع صريع الإستبداد لمجموعة جشعة من الناس لا يهمهم غير السلطة والثروة ونهب الخيرات وقتل المواهب وكبت الحريات 0
لو كان الحاكم المستبد ذكيأ لكان للتعليم نصيب الأسد من فكره وتخطيطه ولأنشأ مجلسا هائلأ من العلماء والمفكرين يكون همه الوحيد هو إختراع نظام للتعليم يقوم على أساس الدراسة والبحث العملى وليس على أساس التلقين والتقليد حتى لا يتحول المجتمع إلى نسخ مكررة من الحاصلين على شهادات تافهة لا تسمن ولا تغنى من جوع وكل همها الحصول على وظيفة والجلوس على مكتب يتناول عليه طعام الإفطار ويشرب عليه الشاى والقهوة وينام بقية الوقت حتى آذان الظهر فتكون الفرصة متاحة لإنهاء الساعة الأخيرة من العمل بحجة الصلاة ثم يغادر العمل مرهقأ إلى منزله من كثرة ما حقق من إنجازات وما قدم للوطن الأم من أبحاث وتجليات وهكذا يسهم النظام التعليمى التلقينى التقليدى فى إيجاد أجيال مكررة ومستنسخة لا ترقى بالمجتمع ولا ترتفع بالوطن بل تعود به للوراء مئات السنين والعيب ليس فى المساكين الحاصلين على تلك الشهادات المكررة ولكن العيب فى النظام التعليمى الذى لا يجد من يطوره ويحدثه من أجل صناعة مواطن صالح يبحث بدأب عن منابع العلم والمعرفة وأصول البحث 0
الحاكم الذكى هو الذى لا يجعل أحدأ يخدع الناس ويلعب بعقولهم ويصدر لهم الفتاوى والأحكام الدينية وهو الذى يجعل المؤسسات الدينية فى مكانها الطبيعى وهى المساجد والكنائس والمنازل حيث لا يوجد من يتحدث فى الدين بالحق الإلهى وكل بشر كلامه قابل للموافقة عليه أو رفضه ولذلك فلا وجود لما يسمى بالمؤسسة الدينية التى قد تخرج فتاوى وآراء وأحكام لا تعدو كونها إجتهادات ثم تتحول إلى معلوم من الدين بالضرورة ويصبح المجتمع مطالبأ بها كأنها دين الله الحق , فالحرية الدينية يجب أن تكون مكفولة للجميع دون تفرقة ودون قسر أو قهر والحوار الدينى البناء الذى يحترم الآخر يجب أن يكون موجودا للتواصل الفكرى مع القضاء الكامل على كل أشكال التمييز والتفرقة والقضاءعلى العنف الفكرى وحب السيطرة وأن يكون الحوار بالتى هى احسن دون إكراه من طرف لآخر على إعتناق دين أو عقيدة أو فكر بأسلوب يبعث على الخوف أو الإرهاب فهذه كلها من أبشع الجرائم التى ترتكب فى حق الدين والفكر والإنسانية وهى جرائم العنف والقهر الفكرى والإرهب تحت ستار الدين0
ما سبق هو قليل من كثير لو فعله الحاكم المستبد فى لحظة صدق يعود فيها لنفسه ويتذكر أنه إنسان ضعيف لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعأ ولا ضرا ولا موتأ ولا حياة ولا نشورأ , لحظة يعود فيها لنفسه ويتذكر ضعفه البشرى وانه يمرض ويموت ويترك الدنيا بما فيها لمن فيها فى لحظة قد تكون قريبة منه قرب حبل الوريد , لحظة سيقف فيها أمام مالك فماذا يقول له ؟ وكيف يبرر مظالمه وجرائمه ؟ وهل سيخدع الله تعالى كما خدع المساكين من الناس وحكمهم عقودا طويلة بالعذاب والقهر والسجون والحرمان دون خوف من الله ودون عمل أى حساب لليوم الآخر
فاليرجع كل حاكم مستبد لعقله ويسال نفسه أين ذهب طغاة التاريخ ؟ وما مصيرهم ؟ لقد عاشوا دنياهم تسبح ألسنة الناس بحمدهم بينما تلعنهم قلوبهم ويلعنهم الله وملائكته واللاعنون , فليعد مسرعأ تائبا إلى مولاه مالك الملك كل حاكم طغى وتجبر وتكبر وليرجع ما إستطاع من الحقوق المسلوبة لأصحابها وليصلح من نفسه ويصلح كل ما أفسدت يداه قبل أن يأتيه يوم تذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد0
ألفصل الخامس
الأنسداد الفكرى
هذه الجملة القيمة المعبرة إقتبستها من بعض تعليقات ومقالات المفكر المستنير الصديق العزيز الدكتور عمرو إسماعيل , إنها عبارة جميلة ومعبرة وموجزة وتوحى بجو الكبت الذى تعانيه المجتمعات العربية وهو كبت متنوع ففيه الكبت الفكرى والكبت الدينى والكبت العلمى وحتى الكبت الإقتصادى , نعم ترزح مجتمعاتنا العربية وبلا منازع تحت نير هذا الكبت الذى يولد أجيالأ مخنوقة تريد التعبير عن نفسها وعن فكرها وعن فحواها ومحتواها فلا تقابل إلا بالقمع والقهر والسجن والعذاب ودمار المستقبل
فإلى متى يستمر الحجر على الأفكار وتكميم الأفواه من أجل مصلحة قلة قليلة طاغية تسعى خلف مصالحها الشخصية وأهوائها الذاتية ضاربة بالصالح العام للوطن والمواطن عرض الحائط وهذه هى حقائقهم ومصائبهم تتجلى يومأ بعد يوم فى كل دولة منهم على حدة حتى يتأكد كل مواطن عربى من بشاعة العصابة التى تحكمه بالقوة والسلطة والقهر والخوف 0
إن كبت الحريات وخنق الأفكار لا يعود على الأمة إلا بالشرور والضلالات والآثام لأن هذه الأفكار المخنوقة والآراء المكبوته هى الأعمدة المتينة التى تقام عليها مؤسسات المجتمع الحر الكريم فكيف نكبتها ونسد طريقها إلى المتنفس حيث تزدهر وتنتشر وتلقى الرواج والقبول فإذا انتشرت الثقافة وعم العلم والتحضر والرقى كبر المجتمع وارتقى وعلا شأنه بين بقية الأمم ولا يمكن لأمة أن تعلو وترتقى إلا بفكر أبنائها الحقيقى وإلا فلماذا نقيم المدارس والمعاهد والجامعات ؟ هل نقيمها كمبان حجرية ؟ أم أنها مؤسسات تربى أجيالأ متعلمة وجامعات تنتج المفكرين والمثقفين والعلماء والأدباء والفنانين والشعراء , هذا هو الدور الحقيقى للجامعات
التى يتخرج منها الملايين سنويأ بلا جدوى لان احد هؤلاء الخريجين لم تتح له فرص الإبداع لإظهار مواهبه العلمية والبحثية والفنية ولكنهم للأسف عبارة عن نسخ مكررة يتبع بعضهم بعضأ ويخلف بعضهم بعضأ ولا يترتب عليهم سوى زيادة عدد العاطلين وتكديس معنى البطالة فى المجتمع
فاين إصلاح التعليم بما يحقق الغرض منه ويعود على المجنمع بشباب متعلم متنور مثقف يكون بمثابة ألأعمدة التى يقوم عليها المجتمع الحر المتحضر المستنير , ولكن للأسف الشديد فإن هذا الشباب الغض يجد نفسه خالى الوفاض خاوى العقل من أى فكر أو ثقافة حقيقية مجدية فيندفع نحو طريق الفساد والشيطان الرجيم فينحرف ويدمن ويهرب من المسئولية ويهاجر خارج بلده لو أتيحت له الفرصة
إن الإنسداد الفكري أيها السادة يؤدى إلى موت هذه الأفكار وذبول عقولها والقضاء عليها قضاءأ لا رجعة فيه فالنفتح السبل والوسائل لتتحرك فيها الأفكار وتتدفق الثقافات بمختلف أنواعها وتوجهاتها ولنترك للناس الحرية مفتوحة على مصراعيها فهى منحة الواحد القهار لكل مخلوق ولم ولن تكون منة أو فضلأ من إنسان على إنسان , فهيا يا حكام العرب نفذوا وعودكم بفتح أبواب الفكر والتحرر والثقافة والعلم على مصاريعه إن كنتم تؤمنون بكرامة وعزة شعوبكم وحقهم فى حياة شريفة كريمة راقية متحضرة حرة أما إذا صممتم على المضى قدمأ على نفس طريقتكم الشائخة المائعة فى العهود الغابرة فلن تحصدوا أنتم غير الندم ولن تحصد هذه الشعوب المقهورة غير الفقر والمرض والتخلف والذل والتدهور وهى أمراض منتشرة نتمنى من الله تعالى أن يعين هذه الشعوب المقهورة على تخطيها والتغلب عليها ولكن ذلك يقتضى مجهودأ جبارأ من العلماء والمثقفين والمفكرين فى الأامة العربية لأن هذه مسئوليتهم امام الله تعالى مهما تعرضوا للكبت والقهر والسجن والتهديد فلن تسقط هذه المسئولية عن كاهلهم إلا بعد ان ترتقى هذه الشعوب المقهورة وتتحرر من الكبت العلمى والثقافى والإنسداد الفكرى 0
ألفصل السادس
الأسد يعظ على المنابر
أثناء كونى فى نهاية المرحلة الثانوية كنا ندرس مادة البلاغة وكان مدرس اللغة العربية هو نفسه مدرس التربية الدينية وكلما جاء ليدرس لنا البلاغة يصر ان يدخل الدين ومبادىء الدين فى البلاغة وكنا نسمع جميعأ صامتين لا ينبس أحدنا بحرف حتى جاء اليوم الذى يشرح فيه الصور البيانية والمحسنات البديعية والألوان البلاغية ومن ضمنها الإستعارة المكنية وكما تعلمون تأتى الإستعارة المكنية لتجسيم المعنى فى صورة حسية واقعية ملموسة –فقال المدرس مثالأ لا زلت أذكره بكل اسى وأسف شديدين وهو ( رأيت أسدا يقف على المنبر) وقال ان هذه أالإستعارة مكنية فقد تم تشبيه الواعظ بالأسد وتم حذف المشبه وجاء بالمشبه به لتوضيح المعنى فى شكل حسى واضح وملموس 0
توقفت هنا ورفعت يدى طالبأ الكلمة ولقد كنت أكتب الشعر أثناءها فقال الأستاذ ماذا تريد فقلت يا سيدى كيف يقف الأسد لكى يعظ الناس على المنبر ؟
قال : نعم إذا كان الواعظ شجاعأ جهورى الصوت قوى الشخصية متمكنأ من معلوماته ولغته واقفأ على المنبر نافخأ صدره فإنه يجذب المتلقى ويشد إنتباهه ويجعله يفهم
قلت معذرة يا سيدى انا لا أرى ذلك وأظن أن ذلك يخالف قول الله تعالى
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)
وقوله تعالى ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)
حتى ربنا عندما أمر نبيه موسى أن يذهب للفرعون مع أخيه هارون قال لهما
( فقولا له قولأ لينأ لعله يتذكر أو يخشى)
فقال المدرس : هؤلاء أنبياء ورسل يوحى إليهم من السماء فهل يوحى إلى كل واعظ من السماء؟
فقلت له يا سيدى ولكن الوحى السماوى موجود بيننا بكل ما فيه من أنوار وتعاليم
ولا يجب للواعظ ولا يحق له أن يخيف الناس وإلا فهو القهر والضغط وهذا ليس دينأ
فقال تعالى هنا لكى تشرح الدرس لزملائك واذهب أنا اقعد على القهوة وطالما كلامى لا يعجبك فلا تحضر حصتى بعد الآن يا حضرة الفيلسوف
فقلت معذرة لا أقصد ذلك أبدا يا سيدى ولكننى اردت الإعتراض فقط على المثال لأنه يسىء لطريقة الوعظ ويوحى أن الدين يفرض قهرأ على الناس وتخويفأ ولا يترك لهم الفرصة للتفكير والتدبر وإعمال العقل وإننى أعتقد أن الدين ليس كذلك فكيف يقف الواعظ على المنبر ويكون مطلوبأ منه تخويف الناس وإرهابهم ؟
اليس من أهم واجباته تحبيب الناس فى الدين وترغيبهم فيه؟
قال : نعم
قلت : وهذا لا يستقيم مع منطق الخوف الذى سيسببه لو كان شبيهأ بالإسد
قال ولكننى مصر ومصمم على مثالى ولن أغيره وأنت لا تفقه شيئأ فى الدين فلا تجعلنى أطردك من دروسى
وهكذا يا سادة يا كرام أضطررت للصمت كباقى زملائى وانتصر المدرس لأنه يملك السلطة والقوة والصوت الأعلى وله حق طردى من الفصل بحجة أننى طالب مشاغب وعدت إلى منزلنا وانا أردد فى نفسى
(الأسد يعظ على المنابر)
أعتقد أنها إستعارة تخويفيه إرهابية وليست إستعارة مكنية
ألفصل السابع
البخلاء
البخل هو المرادف الذميم للأنانية والنرجسية وحب الذات وسيطرة المصالح الشخصية على كل حواس صاحبها مما يجعله يبيع الدنيا وما فيها ومن عليها من أجل تحقيق ذاته وأنانياته والوصول إلى مآربه مهما كانت دنيئة وتحقيق أطماعه مهما كانت بشعة فهو فى الواقع—البخيل—يعبد نفسه وليس له إله سوى هواه يتحكم فى مبتغاه ومرتجاه ويوجهه كيفما شاء وحسبما رغب:
( أرأيت من أتخذ إلهه هواه)
فقد عاش البخيل حليفأ أعمى للشيطان الرجيم لأن نفس البخيل شريرة بطبعها تكره العطاء والبذل والتضحية وتحقد على كل كريم سخى ذى يد طولى فى أعمال الخير والعطاء فى أى بقعة من يقاع هذا العالم0
كان البخل وسيظل وصمة عار فى جبين صاحبه وصورة سيئة للأنانية القبيحة وعبادة النفس والهوى ونظرة دنيا للحياة والإنسانية وهروب من كل معانى الرجولة والعقل والكمال والصدق والنخوة والكرم والعطاء والبذل لكل محتاج أو مقهور أو مغلوب من بنى البشر أو حتى من غير بنى البشر بمعنى أن الكريم يكرم حتى الحيوانات التى يكون مسئولأ عنها ولا يقتصر كرمه على بنى البشر فهو يضحى بما يملك فى سبيل تحقيق العدالة الربانية فيما يملكه الإنسان من مال الله وفى هذا يقول الله تعالى:
( وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)
أى أن ما لدى الإنسان من أموال هو فى الواقع ملك الله لأن الله مالك الملك ولأن المال ملك الله تعالى فقد قال جل وعلا:
( وآتوهم من مال الله الذى آتاكم)
ولا يرغم الله تعالى الإنسان الفقير على الإنفاق فمن أين له بالإنفاق ؟ وهو لا يملك قوت يومه ولكن الله فرض الكرم والصدقة والزكاة على القادرين من أصحاب المال وقال عن الفقراء:
( لا يكلف الله نفسأ إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرأ)
( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله)
ولقد قرن الله تعالى البخل بالكفر فى قوله تعالى :
(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابأ مهينأ )
ويحكى القرآن عن بعض الناس ممن عاهدوا الله تعالى لئن أغناهم من فضله ليصدقن على الفقراء ويتحولوا إلى كرماء لا يبخلون على أحد فلما استجاب الله لهم وهو أعلم بهم بخلوا بهذا المال وغلبت عليهم أنانيتهم وأحقادهم وغلبت عليهم شقوتهم فمنعوا مال الله عن عباده وحرموهم وأذلوهم وتكبروا عليهم فاستحقوا عن جدارة غضب الله ولعنته يقول تعالى :
(ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقأ فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)
وتنطبق هذه الآية الكريمة على كل حاكم طاغ ينهب ثروات بلاده لمصلحته الخاصة ويسيطر على الأموال ومعه فئة قليلة من العتاة الخونة الذين يأكلون التراث أكلأ لمأ ويحبون المال حبأ جمأ ويعبدون المناصب عبادة ويحرمون الملايين من المكافحين والساهرين من أجل لقمة العيش يحرموهم من أقل حقوقهم فى حياة حرة كريمة ومرتب يكفيهم ومنصب يلأئم خبرتهم وجهدهم فهؤلاء الحكام الآكلون حقوق شعوبهم قد حق عليهم قول الله فى الآية الكريمة السابقة ولسوف يأتى عليهم يوم يندمون ويقول كل منهم:
( يا ليتنى قدمت لحياتى)
وعنئذ لن ينفعهم بكاء ولا إستجداء فلا تحزن يا مظلوم فوعد الله تعالى أقرب إليك من حبل الوريد فهم يرونه بعيدا والله يراه قريبأ فمهل الكافرين أمهلهم رويدا
ومن عظمة تعاليم الله تعالى أن هذه الصدقات والأموال يجب أن تعطى لكل إنسان ولأى إنسان بغض النظر عن دينه أو فكره أو رأيه أو عقيدته أو لونه أو جنسه أو كنهه فقد يظن بعض الناس لجهل بهم أن الله فرض الصدقات والزكاة وإنفاق الأموال على المسلم فقط وهذا خطأ فظيع لأن أموال الله تنفق على عباده المحتاجين والمكروبين فى كل زمان ومكان فى كل بقاع الأرض دون نظر فى الدين أو العقيدة أو الجنس او اللون وإقرا معى التوجيه الربانى العظيم:
(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئأ وبالوالدين إحسانأ وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ايمانكم إن الله لا يحب من كان مختالأ فخورأ *الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابأ مهينأ )
وكان البخل ولا زال صفة مذمومة عند العرب وكان البخيل كالمرض المعدى فى المجتمع ينبذه الجميع ويكرهه ويحذر الإقتراب منه ولقد اشتهر العرب القدامى بالكرم الشديد خصوصا مع ضيوفهم وزائريهم ولقد تناول الكتاب موضوع البخل على مر الزمان زكان على رأسهم الجاحظ الذى كتب مؤلفه الرائع(البخلاء)
ومن الأشعار العربية القديمة الجميلة التى صيغت فى وصف البخل والبخلاء فقال أحدهم يصف بخيلأ:
لا يخرج الزئيق من كفه ولو ثقبناها بمسمار
يحاسب الديك على نقده ويطرد الهر من الدار
يكتب فى كل رغيف له يحرسك الله من الفار
وقال شاعر آخر يصف بخيلأ إسمه ماسك:
يقتر ماسك على نفسه وليس بحى ولا خالد
ولو يستطيع بتقتيره تنفس من منخر واحد
فما أقبح البخل من صفة ذميمة تجلب على صاحبها غضب الرب سبحانه وكراهية الناس ومقتهم وحقدهم ولا تزيد صاحبها غير عبادة لنفسه وهواه وضلالأ بعيدا
ولو كلن العالم بخيلأ لما وجدنا من يقف إلى جوار المنكوبين فى الزلازل والبراكين والأعاصير والعمليات الإرهابيه ولكن الحمد لله رب العالمين فالعالم يعج بالكرم والكرماء ونرى تسابق الدول بختلف مواقعها وأعرافها وعقائدها نرى الكل يسارع ويساهم فى إنقاذ المصاب مهما بعدت الدول ومهما كانت التضحيات فالكل يبذل ما فى وسعه من أجل إنقاذ الموقف وإحتواء الكارثة وإنقاذ المكروبين والوقوف إلى جانبهم فى محنتهم وهذه أرقى وأعظم أنواع الكرم الإنسانى الذى يتجلى فى مثل هذه المواقف ومن هنا من هذا المنبر الحر فإننى أدعو نفسى وأدعو كل قادر إلى مزيد من الكرم قى سبيل سعادة البشرية وهيا جميعأ نحارب صفة البخل ومن يشعر فى داخله أن فيه مثقال حبة من خردل من بخل فليسارع فى هجرها والنأى عنها فما أسوأ البخل من صفة تجعل من صاحبها أنانيا منبوذأ فى كل مكان 0
ألفصل الثامن
يعنى إيه كلمة وطن ؟؟
إننى إنسان أحب الحياة وأعشق الإنطلاق والحرية وأحب ألا يجبرنى مخلوق على فعل شىء أكرهه فالموت اهون عندى من ذلك , إننى أحب بلدى مصر واحب شعبها الطيب الصالح الكريم المعطاء الذى صبر وذاق المر على مر آلاف السنين , نعم صبر على الظلم والقهر والتعذيب والجبروت الذى لاقاه من حكام ظلمة على مر تاريخ يمتد لأكثر من خمسة آلاف سنة , صبر على الفقر وقاوم المستعمرين وصبر على الذل والمرض وعلى طمع الطامعين وجرائم المجرمين لآلاف السنين , أحب هذا الشعب وأحب تراب بلدى وإحب طيبتهم وأعرف أحزانهم وآلامهم وأغوص داخل نفوسهم المرهقة بمطالب الحياة وعقولهم المؤرقة بالمصاعب والمتاعب ألمح فى وجوههم نظرات عتاب بعضهم لبعض وكأن كلأ منهم يلوم الآخر وأتمنى أن أنقذ المريض من مرضه والفقير من فقره والمظلوم ممن ظلمه والمقهور ممن قهره ولكننى لا أجد لذلك سبيلأ
إن هذا الشعب الطيب المعطاء يريد أن يعيش ويتنفس عبير الحرية والعدالة والديموقراطية التى لم يذق من طعمها رشفة واحدة 0
كافحت طوال عمرى السابق فى مهنتى كطبيب وعملت عشرين عامأ واولادى كبروا أمام عينى والحياة تمر صعبة رتيبة مريرة كل شىء صعب , الحصول على الأموال ---الحلال--- صعب وإنفاقها سهل وسريع ومطالب الحياة كثيرة وغزيرة ومتدفقة كالإعصار وكأن كرباجا يضرب ظهور الآباء والأمهات ويلهبها للحصول على المال الذى صار صعبأ فى تحصيله سهلأ فى إنفاقه
أولياء الامور محاصرون بمطالب الحياة من طعام وشراب وملابس يشتريها معظم الناس بالأقساط ودروس خصوصية للتلاميذ تلتهم ثلث الدخل الأسرى ومواصلات يومية ومصاريف يد للأولاد وعلاج للمريض – ولا يخلو بيت من مريض—
ناهيك عن فواتير الكهرباء والتليفون والصرف الصحى والمياه وهى فواتير تحتاج لدخل مخصص لكى يكفيها
وإذا أردت الحصول على خدمة فى مصلحة حكومية فكم من الوقت تستهلك ؟ وكم من المال تضعه فى درج الموظف حتى يوافق على إنهاء مصلحتك وإلا تحولت مصلحتك إلى النوع العنيد المستعصى الذى ليس له حل بقدرة الموظف ولكنك إذا شخشخت جيبك وألقيت بالمعلوم فى درجه فما أسرع إنجاز المهمة مع الشكر والإحترام
نعم فهو فساد إدارى مستشرى يعترف به جميع المسؤلين كبيرا وصغيرا وحجتهم فى ذلك أن جميع دول العالم بها فساد وهذا بالطبع يشرع ويسهل للمفسدين أن يستمروا بل ويبالغوا فى فسادهم ويزيدوا من قيمة ما يحصلون عليه من رشاوى لإنجاز خدمات كان يجب ان تقدم للمواطن المرهق فى سهولة ويسر و بلا عناء أو مشقة
إذا دخلت مركزا للشرطة لقضاء مصلحة مجرد مصلحة تعامل كأنك متهم وتقف أمام كل شخص إنتباه ولا يحق لك الجلوس على كرسى لتستريح حتى لوكنت مواطنأ مسنأ فهذا المكان مخصص للعقاب فقط حتى لمن ليس لهم تهم ولم يرتكبوا جرائم
المواطن المصرى الطيب الصبور يستحق وقفة من الذين يحكموه وقفة يؤكدوا فيها حبهم لهذا الشعب وحرصهم على مصلحة هذا الوطن ويقومون بإصلاحات فعلية يترتب عليها إستعادة المواطن المصرى لكل حقوقه المهضومة فى المنزل والشارع والمصالح الحكومية ومراكز الشرطة والمرور والموانىء والمطارات والمطافى والإسعاف والمستشفيات والهيئات والمديريات والوزارات
وقفة تكون نتائجها بنفس السرعة التى أعلنت فيها نتيجة الإنتخابات الأخيرة فى 7/9/2005 وكان من أهم نتائجها التمديد للرئيس بفترة حكم خامسة
وقفة تتيح للمصرى مرتبأ يكفى عياله وأسرته وحياته بكل كرامة دون أن يذل أو يستدين أو يقترض من بنك ليكمل كسوة أسرته أو يبيع جزء من أرضه –إن كان له أرض--أو بيته لكى يزوج إبنه او يجهز إبنته للزواج
وقفة تضمن للمصرى الإحترام الكامل فى المصالح الحكومية والتخلص من سياسة فتح الأدراج التى يعشقها الموظفون المرتشون
وقفة يتم من خلالها إصلاح التعليم وإخلاؤه من عوامل الإرهاب وكراهية الآخر بما يضمن صناعة أجيال تفهم معنى الحرية والكرامة وإحترام الآخر المختلف فى الفكر والمنهج والدين والعقيدة والإتجاه واللون
وقفة تجعل الدين لله والوطن للجميع وتكون المساواة والعدالة فيها على أساس المواطنة ولا شىء سواها
وقفة تتيح للعلماء أن يبحثوا ويطوروا علومهم لينهضوا بركب الحضارة وموكب العلم والتقدم والرقى وتكافىء المجتهدين منهم وترفع من شانهم وتشحذ عزائمهم حتى ينهض بهم الوطن وترتقى الأمة
وقفة تفتح باب حرية الكلمة على مصراعيه وتنهى بلا رجعة سياسة تكميم الأفواه ومصادرة الأفكار وكبت الحريات وإحتكار حق الكلام والتعبير عن الرأى وحرمان المثقفين من النهوض بالمجتمع والأخذ بيده إلى نور العلم والمعرفة والجضارة
وقفة تلغى الزج بالإنسان فى غياهب السجون لمجردأن له رأيا مختلفأ وفكرا معارضا وعقلأ لا يوافق إلا على الصواب
وقفة تعيد للمراة حقها المسلوب فى الحياة والحرية والقوة والكرامة والتمثيل السياسى والكلام والرأى والتعبير وحرية الحركة وتعيد إليها ثقتها فى نفسها بعد أن فقدتها مئات السنين
هذه الوقفة هى الوحيدة التى قد تمنعنى من الرغبة الجامحة فى الهجرة رغم أننى أبكى دموعأ من دم كلما جرت هذه الفكرة داخل عقلى ولكننى وكثيرون غيرى من شباب مصرالطيبين المخلصين لن نتردد فى طلب الهجرة بحثا عن العزة والكرامة وبحثا عن مكان نعيش فيه بعيدا عن ذل الحاجة وشظف الحياة
ما قيمة الحياة إذا خلت من الأمن والطمأنينة والعزة والكرامة
وما قيمة الوطن الذى أشعر فيه بالغربة بعد أن خدمته طوال عمرى الماضى ومستعد لخدمته ما بقى لى من عمر بشرط تحقيق مقومات الكرامة والعزة والحياة الشريفة التى تكفل لى ولأسرتى ألا نمد أيدينا عدة مرات فى العام الواحد حتى تسير الحياة وتتراكم الديون التى لم أتخلص منها يومأ واحدا منذ خمسة وعشرين عامأ وأمثالى بالملايين0
ما قيمة الوطن الذى أحرم فيه من التعبير عن رأيى وموقفى ثم أجد من ينصرنى ويؤيدنى ويأخذ بيدى ويعيد حقى دون أن أهان أو اذل
ما قيمة الوطن الذى أفقد فيه عزتى ويعاملنى الموظف الحكومى بإستهزاء وإستخفاف لا مثيل لهما فى كل دول العالم , ويعاملنى ضابط الشرطة كأننى متهم كلما وقع وجهه على وجهى
ما قيمة الوطن الذى لا يجد فيه إبنى وظيفة يقتات منها ومسكنأ يعيش فيه ومستشفى يعالج فيه إذا مرض علاجأ آدميأ يليق به كإنسان , وما قيمة الوطن الذى أحرم فيه من حفوفى القانونية والدستورية ولا أستطيع إسترداد حقى إلا بطلوع الروح
ماذا تفيد كلمة وطن ,
إن كلمة وطن يا سادة ليست كلمة إنها آلاف الافعال والأفكار والمستندات والقيم والمثل نعم قيم العدل والمساواة والحب والأمن والطمأنينة والقيم التى توفر العزة والكرامة
إن الوطن فى رأيى هو أرض طيبة طاهرة وشعب طيب معطاء يعيش عليها وتتوافر فوق هذه الأرض قيم العدل والمساواة وتكريم الإنسان ومعانى الأمن ومقومات العزة والكرامة وبهذه الصفات كلها يتكون الوطن السعيد وتصبح الحياة مستساغة
الفصل التاسع
Friday, June 02, 2006
Subscribe to:
Post Comments (Atom)


No comments:
Post a Comment